التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العذراء والشعر الأبيض ..جرأة القصة وعقم الفيلم !

نُشر فى موقع عين على السينما

.........................................................................................



من أفلام الماضي: "العذراء والشعر الأبيض".. جرأة القصة وعقم الفيلم!


الثلاثاء 19 مارس 2013 14:16:00

من أفلام الماضي: "العذراء والشعر الأبيض".. جرأة القصة وعقم الفيلم!







 إسراء إمام



عندما تستعير السينما فكر الأدب.. فلا إلزام عليها أبدا أن تلتزم بنصه، وإنما يمكن للمخرج والسيناريست أن يقدما وجهة نظر جديدة فى عمل أدبى ناجح له رونقه وسحره وإن كنت لا أميل إلى ذلك طوال الوقت ولكننى أبدا لا أختلف معه، أما أن يقوم المخرج أو السيناريست بتقديم فكرة لا تتفق وبأى شكل مع مضمون وروح فكرة العمل الأدبى، فأنا لا أعتبر ذلك سوى تجنى فى كل حال من الأحوال على هذا العمل وعلى حالته الحقيقية ومضمونه الفكرى.

وهذا ما حدث مع قصة "العذراء والشعر الأبيض" عن حسان عبد القدوس، والتى قدم فيها حالة مركبة شديدة التعقيد تحوى بين سطورها قدر كبير من النضج والجرأة والقدرة على المواجهة، بينما جاء الفيلم المأخوذ عن نفس القصة ليجهض كل تلك المعانى وبكل بساطة بشكل مستفز ومنفر يجعلك تتساءل لماذا تم إنتاج ذلك الفيلم من الأساس؟

"دولت" أو الشخصية النسائية الأولى فى قصة عبد القدوس التى قامت بدورها فى الفيلم الذي أخرجه حسين كمال، نبيلة عبيد، شخصية شديدة الأنانية، رغبتها الجنونية فى الإنجاب تحولت إلى عقدة نقص بعد أن تأكدت أنها عاقر، فتجدها على عكس ما قد تصل إليه إمرأة على هذه الحالة من اليأس، تحرك كل ما حولها تبعا لأغراضها وتتملكها شهوة إمتلاك كل شىء بأى طريقة وبأى ثمن، فتجدها تلك المرأة التى تخون زوجها لتتأكد فى داخلها أنها ليست عاقر، ثم تتزوج من خانت زوجها معه أملا فى أن تنجب فى الوقت الذى أرادته وبالطريقة التى تحددها، وعندما تضطر أن تواجه الحقيقة التى طالما أنكرتها وبكل الطرق تلجأ إلى أن تتبنى طفلة، وتكبر الطفلة وتصبح أنثى ينشغل بها زوجها "محمد" - محمود عبد العزيز- ذلك الزوج الذى وقع فى شباك تلك السيدة القاسية التى أخذت منه أكثر مما أعطت له حتى وإن كانت فى ظاهر الأمر تغدق عليه حنانا وتفيض له حبا، فببساطة قبلت دولت أن يهجرها محمد فى الفراش لأن أولوياتها الأولى والأخيرة تحقيق رغباتها وطالما بقى إلى جانبها وظل فى حدود ملكيتها لا يضيرها أى شىء قد يؤذيه أو يحد من قربه منها.

وكان من الطبيعى ألا يشعر محمد ببثينة (شريهان) الإبنة المتبناه التى تكبر فى بيته وهو لا يعلم عنها شيئا سوى أن يحضر لها هدية فى كل مرة من المرات الشبه دائمة التى يسافر فيها ويبتعد ليعمل بعيدا عن ذلك المنزل الذى أصبح لا يشعر تجاهه بأى إنتماء، ولكن يشعر ببثينة الانثى التى تفكر هى الأخرى فيه كرجل ناضج جذاب أعجبت به ذات يوم وأضحى ذلك الإعجاب يزيد يوما بعد يوم حتى تحول إلى حب حقيقى أعطت فيه محمد كل ما افتقده مع إمرأة مثل دولت.

دولت فى قصة إحسان عبد القدوس لم تحب أحدا سوى نفسها التى يمكنك أن تصفها بأنها نفس غير سوية ، يمكنها ببساطة أن تعلم وتشجع علاقة بين زوجها وابنتها المتبناه فى سبيل أن تحتفظ بكليهما إلى جانبها وحولها ، فتجدها فى نهاية القصة تعلم كل شىء مما دار بين بثينة ومحمد بل وتقترح حلول لذلك الوضع الغريب المنفر ، ومن هنا تأتى جرأة إحسان عبد القدوس الذى عرض الحالة بكل جوانبها وإرتضى أن يواجه المجتمع فى سطوره بنموذج شخصية مثل دولت يوجد منها بين صفوفه الكثير.

وإنما فى الفيلم تجد قصة أخرى غير التى نسجها إحسان تماما ، تجد دولت إمرأة حنونة جدا تريد بشدة أن تنجب ولكن بشكل سوى مقبول ، تحب محمد وحتى نهاية الفيلم تظل العلاقة الجنسية بينهما على ما يرام ، أما بثينة فهى مجرد فتاة مراهقة تتعلق تعلق سخيف بأبوها بالتبنى وتهم فى أحد المشاهد  بتقبيله ولكن يلطمها محمد على وجهها لطمة قوية لتعود بثينه إلى صوابها بعد ذلك ، وكأن تعلقها المراهق بمحمد كان بمثابة ذبابة تطن فى أذنها أخرجتها اللطمة بسهولة فعدت رأس بثينة سليمة عاقلة خالية من أى ذباب، أين قصة إحسان عبد القدوس من ذلك لا أعلم ؟!

فضلا عن أن الفيلم على المستوى الفنى مفكك، تشعر أنه ينقسم إلى جزأين كل جزأ منهم فيلم بحد ذاته، فتجد فى البداية حكاية قصة حب دولت ومحمد والتى تجدها شديدة الجاذبية والعذوبة وكأنها حدوتة منفصلة، ثم تأتى فيما بعد حكاية بثينة والذبابة لتخرب كل شىء ولتجعلك تشعر أنك تشاهد فيلما آخر!

هنا يأتى سؤال يراودنى كثيرا ويلح على ذهنى.. ما الجديد الذى قدمه ذلك الفيلم ولماذا تم إنتاج فيلما مأخوذا عن تلك القصة بينما لم يقدم صناع الفيلم القصة من الأساس؟

آخر كلمتين
بخلاف تناقض التركيبة النفسية لشخصية دولت بين القصة والفيلم، تأتى مساحة دور دولت فى القصة أصغر بكثير مما أتيح لها فى الفيلم وهذا يعود لفرض نجمة مثل نبيلة عبيد نفسها على الدور بشكل يجعلها تقبل أن تقدم فيه شخصية سوية لها الظهور الأغلب فى الفيلم مقابل أن لا يكون لذلك أدنى علاقة بالشخصية التى كتبها عبد القدوس.. ولا يمكنك أن تنسى أنها فى ذلك الوقت كانت نجمة مصر الأولى!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"goodnight mommy"..أن لا تُبصِر بينما ترى

_نُشِر فى مجلة الثقافة الجديدة_ فى فيلم antichrist للمخرج "لارس فون ترير"، تبلغ البطلة الطور الكامل لنوبتها الإكتئابية، فيحل الوهم محل دماغها، ويوعز له بكل المُنكَرات، المُهلِكات، وفظائع الجُرم. تتحول تلك السيدة الرقيقة، واهنة الهيئة والقدرة إلى سفاحة متوحشة. يقودها الوهم إلى التمثيل بجسد من تحب، لتكن على يقين من أنه لن يُفارقها. تعتقد، وتمتطى إعتقادها إلى حتفها بنفس طيّعة. فما إن خَرِبَت رأسها، انتفت هويتها وضُلِلِ هواها. الوهم قتلها، وأمات الحب فيها وفيمن حولها. وفى حياة أخرى، موازية لحياة هذه البطلة المكتوبة فى سطور فيلم، شاهدتُ رجلا يحرص فى سيره، على أن يتحسس فى كل خطوة من خطاه الأرض من تحته. يومها، كنت برفقة زميل طبيب، وحينما رآنى وقد استغرقنى التحديق فى الرجل بإندهاش، أفادنى بأنها   إحدى أشكال حالة مرضية عقلية، تعرف بإسم" catatonia "، يتهيأ فيها للمريض أنه قد يفقد الأرض، لذا فهو يطمئن دوما لوجودها من تحته بتملسها كلما يُحرك قدما. وهماً آخر يدفع الحالات المتأخرة من نفس المرض، لأن تدّب فى مشيتها، ليسعها التأكد من وجود الأرض تحتها. الوهم أقصر الطر...

أضواء المدينة..الفيلم الذى يُضحِكك وإن ضَحك عليك

_نٌشر فى مجلة أبيض وأسود_ فى فيلم dangerous method 2011 يتبادل البطلان مناقشة شديدة الإيجاز حول مفهوم السعادة. فيقول أولهم: "السرور ليس بسيطا أبدا كما تعرفه أنت". فيبادره الآخر: "بل إنه كذلك، إلى أن نقر نحن بتعقيده". فيلم أضواء المدينة عام 1972 إخراج فطين عبد الوهاب وتأليف على الزرقانى، من الأفلام التى تؤيد الشِق الأخير من المناقشة، من الأفلام التى تمنح السعادة خيارا حقيقيا تطِل من خلاله ببساطة، ومن دون تكلف، أو محاولة زائفة للتحذلق والفلسفة المُدّعية. إنه الفيلم الذى ما إن تُعيد مشاهدته، تبتسم من مجرد ظهور تتراته، تستحضر معها روحه الخفيفة الطافية، وخيالات تلك الضحكات الماضية التى سبق وأن أغدق عليك بها.  تزورك لحظات البهجة التى خلقها خصيصا لك، وليس نظيرتها التى انخلقت فى مواقف مشابهة مع أفلام أخرى وفقا لظروف معينة، ملائمة لصناعة البهجة. أضواء المدينة هو الفيلم الذى يُضحكك ببساطة وإن ضحك عليك. سيناريو الحدوتة تبدو تقليدية، اعتدناها من السينما المصرية فى وقت سابق، ولاحق أيضا. ولكن ما ابتدعه السيناريو هنا، ابتكار مدخلا مختلفا آمنا، يسعه مجاراة دراما ...

قبل زحمة الصيف...لم يكن إلا اللاشيء!

_ نُشر فى جريدة الصباح_ قبل زحمة الصيف، فى قرية نائية بالساحل الشمالى، يجمع القدر كل من "هالة" المطلقة التى تأكل الوحدة من جسدها وجمالها، "يحيى" الزوج المُهدَر رجوليا فى علاقة زوجية انتهت صلاحيتها الجنسية، و"جمعة" الشاب الفائر، المحموم بطاقة تفوق واقعه وقدراته. الثلاثة يجلسون على المائدة ذاتها من الرغبات. فلا يحول بينهم مركز إجتماعي، أو خلفية ثقافية. يُأهبنا السيناريو _بعد ربع الفيلم تقريبا_ لنعى أننا أمام حالة مجردة، الحدث فيها لا ناقة له ولا جمل، اللهم لا أعتراض أبدا على هذا الشكل من المعالجة الدرامية، فهو فى حد ذاته فكرة قيمة، وعلى الرغم من أن عدة أفلام تناولته قبلا، إلا أنه احتفظ بخصوصيته، ولم تطاله يد الاستهلاك بعد. بخلاف أنه شائع جدا على المستوى الأدبى، فكم من الروايات التى ارتضينا أن نركب رجلتها دون أن نسأل عن وجهة أحداثها. ولكن؟! دعنى أتذكر معك عزيزى القارىء، آخر رواية قرأتها تنتمى إلى هذا النوع من السرد. حاول أن تُفَنِد المشاعر التى اختبرتها معها. إنها بعض من الشغف، الاستغراق، المتعة، اللهاث، الشبع. وإن تمعنا هذه الأحاسيس المختلطة كانت، أ...